الشوكاني

56

فتح القدير

سورة يوسف الآية ( 101 ) قوله ( فلما دخلوا على يوسف ) لعل في الكلام محذوفا مقدرا . وهو فرحل يعقوب وأولاده وأهله إلى مصر فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه : أي ضمهما وأنزلهما عنده . قال المفسرون : المراد بالأبوين هنا يعقوب وزوجته خالة يوسف . لأن أمه قد كانت ماتت في ولادتها لأخيه بنيامين كما تقدم ، وقيل أحيا الله له أمه تحقيقا للرؤيا حتى سجدت له ( وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ) مما تكرهون ، وقد كانوا فيما مضى يخافون ملوك مصر ، ولا يدخلونها إلا بجواز منهم . قيل والتقييد بالمشيئة عائد إلى الأمن ، ولا مانع من عوده إلى الجميع . لأن دخولهم لا يكون إلا بمشيئة الله سبحانه ، كما أنهم لا يكونون آمنين إلا بمشيئته ، وقيل إن التقييد بالمشيئة راجع إلى قوله ( سوف أستغفر لكم ربى ) وهو بعيد . وظاهر النظم القرآني : أن يوسف قال لهم هذه المقالة : أي ادخلوا مصر قبل دخولهم ، وقد قيل في توجيه ذلك أنه تلقاهم إلى خارج مصر ، فوقف منتظرا لهم في مكان أو خيمة . فدخلوا عليه ف ( آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر ) فلما دخلوا مصر ودخلوا عليه دخولا أخر في المكان الذي له بمصر ( رفع أبويه على العرش ) أي أجلسهما معه على السرير الذي يجلس عليه كما هو عادة الملوك ( وخروا له سجدا ) أي الأبوان والأخوة ، والمعنى : أنهم خروا ليوسف سجدا ، وكان ذلك جائزا في شريعتهم منزلا منزلة التحية ، وقيل لم يكن ذلك سجودا بل هو مجرد إيماء . وكانت تلك تحيتهم . وهو يخالف معنى : وخروا له سجدا . فإن الخرور في اللغة المقيد بالسجود لا يكون إلا بوضع الوجه على الأرض ، وقيل الضمير في قوله " له " راجع إلى الله سبحانه أي وخروا لله سجدا ، وهو بعيد جدا ، وقيل إن الضمير ليوسف ، واللام للتعليل : أي وخروا لأجله ، وفيه أيضا بعد وقال يوسف ( يا أبت هذا تأويل رؤياي ) يعنى التي تقدم ذكرها ( من قبل ) أي من قبل هذا الوقت ( قد جعلها ربى حقا ) بوقوع تأويلها على ما دلت عليه ( وقد أحسن ربى إذ أخرجني من السجن ) الأصل أن يتعدى فعل الإحسان بإلى ، وقد يتعدى بالباء كما في قوله تعالى - وبالوالدين إحسانا - وقيل إنه ضمن أحسن معنى لطف : أي لطف بي محسنا ، ولم يذكر إخراجه من الجب ، لأن في ذكره نوع تثريب للإخوة ، وقد قال : لا تثريب عليكم . وقد تقدم سبب سجنه ومدة بقائه فيه ، وقد قيل إن وجه عدم ذكر إخراجه من الجب أن المنة كانت في إخراجه من السجن أكبر من المنة في إخراجه من الجب . وفيه نظر ( وجاء بكم من البدو ) أي البادية . وهى أرض كنعان بالشام ، وكانوا أهل مواش وبرية ، وقيل إن الله لم يبعث نبيا من البادية ، وأن المكان الذي كان فيه يعقوب يقال له بدا ، وإياه عنى جميل بقوله : وأنت الذي حببت شعبا إلى بدا * إلى وأوطاني بلاد سواهما وفيه نظر ( من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ) أي أفسد بيننا وحمل بعضنا على بعض ، يقال نزغه إذا نحسه ، فأصله من نحس الدابة ليقوى مشيها ، وأحال يوسف ذنب إخوته على الشيطان تكرما منه وتأدبا ( إن ربى لطيف لما يشاء ) اللطيف الرفيق ، قال الأزهري : اللطيف من أسماء الله تعالى معناه الرفيق بعباده . يقال لطف فلان بفلان يلطف : إذا رفق به ، وقال عمرو بن أبي عمرو : اللطيف الذي يوصل إليك أربك في لطف . قال الخطابي : اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون ، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون